محمد بن عبد الرحمن الإيجي
185
جامع البيان في تفسير القرآن ( تفسير الإيجي )
المحض ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) فإن التقدم ، والأولية لا يكون برهانًا على الصحة ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) أراد أن يقول عدو لكم لكن بنى الكلام على التعريض ، لأنه أدخل في القبول كقولك لمن يسيء الأدب : ليت والدي أدبني ، يعني هل عرفتم أنكم عبدتم أعداءكم ، قال تعالى : " كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا " [ مريم : 82 ] قيل معناه : عدو لي لو عبدتهم ، فلهذا لا أعبدهم ، وقيل من باب القلب ، أي : إني عدو لهم ، ووحد العدو لأنه في الأصل مصدر ( إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) منقطع ، أو متصل لأنَّهُم يعبدون الأصنام مع الله ( الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) إلى طريق مصالح معاشي ومعادي ، وعطف الجملة الاسمية بالفاء للدلالة على استمرار الهداية المتأخرة ( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) تكرار الموصول للدلالة على استقلال كل باقتضاء الحكم ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) عطف على الصلة من غير إعادة الموصول ، لأن الصحة والمرض في الأكثر يتبعان المأكول ، والمشروب ، وراعى الأدب كما حكى الله تعالى عن الجن : ( وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ) [ الجن : 15 ] وأيضًا غرضه تعداد النعم ، والمرض من النقم بحسب الظاهر ، وأما الإماتة مع أنها وسيلة للسعداء إلى نيل الفوز ، وللأشقياء إلى تقليل أسباب عذابهم ، وتطهير الدنيا من دنسهم ، فبموت الظالم تفرح الطير في أوكارها ، فأمر لا ضرر فيه ، لأنها غير محسوس إنما الضرر في مقدماتها أعني المرض ( وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ )